القرآن – سورة 1 – آيات 2-3

سورة 1 — « Al-Fātiḥa »سورة مكية · 7 آيات

قصيرة جداً، تفتتح سورة الفاتحة القرآن على هيئة دعاء موجَّه إلى الله، يجمع بين الحمد وطلب العون وطلب الهداية إلى «الصراط المستقيم».

وتُتلى يومياً في الصلاة، فتحدِّد نبرة التديُّن القرآني: عبادة خالصة لله، اعتماد عليه، وأفق يوم الحساب. وهي تطرح منذ البداية السؤال المحوري الذي سيطوّره باقي القرآن: ما هو «الصراط المستقيم» وكيف يُعرَف؟

Quran-001-002-003
سورة 1 – الفاتحة – « الافتتاح » – الآيتان 2-3
ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ
باختصار — الله يملك كل شيء, ويقدّمه القرآن أولاً بوصفه رحيماً.

ما الذي يقوله النص

تبدأ السورة بالتسبيح والحمد. فكل شيء يبدأ بالاعتراف والامتنان. كلمة الحمد تشير إلى مدح كامل وشامل يوجَّه إلى الله لأنه هو ما هو عليه.

ثم يُسمّى الله ربّ العالمين. وكلمة ربّ لا تعني السيادة فحسب, بل تدل أيضاً على الذي يربّي ويغذّي ويقود ويرعى. أمّا العالمين فتعني مجموع الخليقة: البشر, والملائكة, والجن, وكل ما هو منظور وغير منظور.

بعد ذلك يظهر اسمان إلهيّان: الرحمن والرحيم. وكلاهما مشتق من الجذر ر-ح-م, الذي يشير إلى الرحمة والحنان, بل وحتى إلى صورة الرحم الأمومي. وهكذا تضع السورة الرحمة في مركزها منذ كلماتها الأولى.

ما الذي يقوله القرآن في مواضع أخرى

اسم الرحمن يتكرر كثيراً في القرآن. بل إن سورة كاملة تحمل هذا الاسم: السورة 55, الرحمن. وهي تعدّد النعم التي أُعطيت للخليقة وتكرّر كأنها refrain: « فبأيّ آلاء ربكما تكذّبان » (سورة 55,13).

وفي مواضع أخرى يؤكد القرآن أن لله أسماء كثيرة تعبّر عمّا هو عليه. فيقول مثلاً: « ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها » (سورة 7,180). وقد طوّرت التقاليد الإسلامية هذه الفكرة بالحديث عن « تسعة وتسعين اسماً لله », ومن بينها الرحمن والرحيم.

كما يظهر لقب ربّ العالمين في مواضع أخرى من القرآن. ويستعمله الأنبياء ليعلنوا أن السيادة الحقيقية لله وحده, في مواجهة الآلهة الزائفة والأصنام (سورة 26,23-24 ؛ سورة 37,87). ولذلك فإن هذا اللقب يمجّد الله ويستبعد في الوقت نفسه أي سلطة دينية أخرى.

التوتر الذي يطرحه النص

هذا الحمد يثير سؤالاً مهماً منذ البداية. ففي الكتاب المقدّس, التسبيح لا يكتفي بتمجيد عظمة الله, بل يذكّر أيضاً بما فعله: الخلق, والخروج, والعهد, وأعمال الخلاص الملموسة لشعبه.1 أمّا هنا فالحمد يصف أساساً ما هو الله, من دون أن يروي قصة تاريخية.

كلمة ربّ تفتح أيضاً تساؤلاً أعمق. فإذا كانت تعني الذي يربّي ويقود وينمّي, فإن السؤال يطرح نفسه: إلى أي حدّ تبلغ هذه القربى؟ في الكتاب المقدّس يتكلّم الله, ويرافق, ويصحّح, ويعزّي, ويقترب أكثر فأكثر من شعبه كأب, وكراعٍ, بل وكعريس.

وهنا يظهر تباين واضح مع الإيمان المسيحي. فبالنسبة إلى المسيحية, رحمة الله لا تبقى مجرد اسم أو صفة, بل تصير جسداً. « والكلمة صار جسداً وسكن بيننا » (يوحنا 1,14).2 وهكذا يصبح السؤال الأساسي: هل تعمل الرحمة من بعيد, أم تأتي هي نفسها إلى الإنسان؟

ما كان معروفاً من قبل

افتتاح هذه السورة الأولى يستعمل لغة كانت معروفة أصلاً في العالم الكتابي. فالمزامير أيضاً تبدأ كثيراً بالبركة والتسبيح: « مبارك الرب إله إسرائيل من الأزل وإلى الأبد » (مزمور 40[41],14).3 وهكذا يجد القارئ مناخاً دينياً مألوفاً.

كما أن الجذر ر-ح-م ينتمي إلى التراث السامي المشترك. ففي العبرية تشير كلمة رحميم إلى الرحمة والشفقة, وترتبط أيضاً بصورة الحنان الأمومي. ويعبّر النبي إشعيا عن ذلك بقوة: « هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟ » (إشعيا 49,15).4

وهكذا يستعيد القرآن كلمات معروفة من قبل, لكنه يعيد تنظيمها بطريقة مختلفة. فالرحمة لم تعد مرتبطة أولاً بتاريخ عهد أو بخلاص معيّن, بل تظهر هنا كصفة كونية لله معلنة فوق جميع العوالم.

ما الذي يوضحه السياق التاريخي

تنتمي هذه السورة إلى السياق المكي. فقد كان محمد يتكلم في عالم متعدد الآلهة, مليء بالمزارات والقبائل المتنافسة والآلهة المتعددة. والقول إن الله هو ربّ العالمين يمثّل لذلك إعلاناً واضحاً للقطيعة مع هذا الواقع.

ويبدو أن اسم الرحمن نفسه قد فاجأ بعض السامعين. ويحفظ القرآن هذه المفاجأة: « وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن » (سورة 25,60). ومع ذلك كان هذا الاسم معروفاً في جنوب الجزيرة العربية في نقوش قديمة وفي أوساط متأثرة بالتوحيد الكتابي.

ومنذ وقت مبكر أصبحت هذه السورة الصلاة المركزية في الإسلام. فهي تُتلى في كل ركعة من الصلوات الخمس اليومية, ولذلك ترافق حياة المسلم الدينية كلها. وهكذا تتضح أهميتها: فهي تلخّص الإيمان والحمد والدعاء في صيغة قصيرة يسهل حفظها وترديدها.

ما الذي توضحه هذه القراءة

تقول هذه الآيات شيئاً قوياً وصحيحاً: الله رحيم. فالقرآن يعلن ذلك منذ البداية بوضوح. وهكذا يبدأ الوحي بعظمة لا تختزل في مجرد القوة.

يمكن للإيمان المسيحي أن يسمع هذا الإعلان بل وأن يقبله, لأنه يعلم هو أيضاً أن الله غني بالرحمة. لكنه يذهب أبعد من ذلك: فبالنسبة إليه لا تُعلن الرحمة الإلهية فقط, بل تأتي إلينا وتأخذ وجهاً وتدخل التاريخ البشري في تجسد يسوع المسيح.

وهكذا يصبح السؤال الأخير بسيطاً ولكنه أساسي للإيمان. فإذا كان الله حقاً ربّاً, الذي يقود ويربّي وينمّي, فإلى أي مدى يبلغ هذا الحب؟ هل يبقى في السماء اسماً مجيداً, أم يأتي ليسكن بين الذين يحبهم؟

ما الذي يقوله النص

تبدأ السورة بالتسبيح والحمد. فكل شيء يبدأ بالاعتراف والامتنان. كلمة الحمد تشير إلى مدح كامل وشامل يوجَّه إلى الله لأنه هو ما هو عليه.

ثم يُسمّى الله ربّ العالمين. وكلمة ربّ لا تعني السيادة فحسب, بل تدل أيضاً على الذي يربّي ويغذّي ويقود ويرعى. أمّا العالمين فتعني مجموع الخليقة: البشر, والملائكة, والجن, وكل ما هو منظور وغير منظور.

بعد ذلك يظهر اسمان إلهيّان: الرحمن والرحيم. وكلاهما مشتق من الجذر ر-ح-م, الذي يشير إلى الرحمة والحنان, بل وحتى إلى صورة الرحم الأمومي. وهكذا تضع السورة الرحمة في مركزها منذ كلماتها الأولى.

ما الذي يقوله القرآن في مواضع أخرى

اسم الرحمن يتكرر كثيراً في القرآن. بل إن سورة كاملة تحمل هذا الاسم: السورة 55, الرحمن. وهي تعدّد النعم التي أُعطيت للخليقة وتكرّر كأنها refrain: « فبأيّ آلاء ربكما تكذّبان » (سورة 55,13).

وفي مواضع أخرى يؤكد القرآن أن لله أسماء كثيرة تعبّر عمّا هو عليه. فيقول مثلاً: « ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها » (سورة 7,180). وقد طوّرت التقاليد الإسلامية هذه الفكرة بالحديث عن « تسعة وتسعين اسماً لله », ومن بينها الرحمن والرحيم.

كما يظهر لقب ربّ العالمين في مواضع أخرى من القرآن. ويستعمله الأنبياء ليعلنوا أن السيادة الحقيقية لله وحده, في مواجهة الآلهة الزائفة والأصنام (سورة 26,23-24 ؛ سورة 37,87). ولذلك فإن هذا اللقب يمجّد الله ويستبعد في الوقت نفسه أي سلطة دينية أخرى.

التوتر الذي يطرحه النص

هذا الحمد يثير سؤالاً مهماً منذ البداية. ففي الكتاب المقدّس, التسبيح لا يكتفي بتمجيد عظمة الله, بل يذكّر أيضاً بما فعله: الخلق, والخروج, والعهد, وأعمال الخلاص الملموسة لشعبه.1 أمّا هنا فالحمد يصف أساساً ما هو الله, من دون أن يروي قصة تاريخية.

كلمة ربّ تفتح أيضاً تساؤلاً أعمق. فإذا كانت تعني الذي يربّي ويقود وينمّي, فإن السؤال يطرح نفسه: إلى أي حدّ تبلغ هذه القربى؟ في الكتاب المقدّس يتكلّم الله, ويرافق, ويصحّح, ويعزّي, ويقترب أكثر فأكثر من شعبه كأب, وكراعٍ, بل وكعريس.

وهنا يظهر تباين واضح مع الإيمان المسيحي. فبالنسبة إلى المسيحية, رحمة الله لا تبقى مجرد اسم أو صفة, بل تصير جسداً. « والكلمة صار جسداً وسكن بيننا » (يوحنا 1,14).2 وهكذا يصبح السؤال الأساسي: هل تعمل الرحمة من بعيد, أم تأتي هي نفسها إلى الإنسان؟

ما كان معروفاً من قبل

افتتاح هذه السورة الأولى يستعمل لغة كانت معروفة أصلاً في العالم الكتابي. فالمزامير أيضاً تبدأ كثيراً بالبركة والتسبيح: « مبارك الرب إله إسرائيل من الأزل وإلى الأبد » (مزمور 40[41],14).3 وهكذا يجد القارئ مناخاً دينياً مألوفاً.

كما أن الجذر ر-ح-م ينتمي إلى التراث السامي المشترك. ففي العبرية تشير كلمة رحميم إلى الرحمة والشفقة, وترتبط أيضاً بصورة الحنان الأمومي. ويعبّر النبي إشعيا عن ذلك بقوة: « هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟ » (إشعيا 49,15).4

وهكذا يستعيد القرآن كلمات معروفة من قبل, لكنه يعيد تنظيمها بطريقة مختلفة. فالرحمة لم تعد مرتبطة أولاً بتاريخ عهد أو بخلاص معيّن, بل تظهر هنا كصفة كونية لله معلنة فوق جميع العوالم.

ما الذي يوضحه السياق التاريخي

تنتمي هذه السورة إلى السياق المكي. فقد كان محمد يتكلم في عالم متعدد الآلهة, مليء بالمزارات والقبائل المتنافسة والآلهة المتعددة. والقول إن الله هو ربّ العالمين يمثّل لذلك إعلاناً واضحاً للقطيعة مع هذا الواقع.

ويبدو أن اسم الرحمن نفسه قد فاجأ بعض السامعين. ويحفظ القرآن هذه المفاجأة: « وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن » (سورة 25,60). ومع ذلك كان هذا الاسم معروفاً في جنوب الجزيرة العربية في نقوش قديمة وفي أوساط متأثرة بالتوحيد الكتابي.

ومنذ وقت مبكر أصبحت هذه السورة الصلاة المركزية في الإسلام. فهي تُتلى في كل ركعة من الصلوات الخمس اليومية, ولذلك ترافق حياة المسلم الدينية كلها. وهكذا تتضح أهميتها: فهي تلخّص الإيمان والحمد والدعاء في صيغة قصيرة يسهل حفظها وترديدها.

ما الذي توضحه هذه القراءة

تقول هذه الآيات شيئاً قوياً وصحيحاً: الله رحيم. فالقرآن يعلن ذلك منذ البداية بوضوح. وهكذا يبدأ الوحي بعظمة لا تختزل في مجرد القوة.

يمكن للإيمان المسيحي أن يسمع هذا الإعلان بل وأن يقبله, لأنه يعلم هو أيضاً أن الله غني بالرحمة. لكنه يذهب أبعد من ذلك: فبالنسبة إليه لا تُعلن الرحمة الإلهية فقط, بل تأتي إلينا وتأخذ وجهاً وتدخل التاريخ البشري في تجسد يسوع المسيح.

وهكذا يصبح السؤال الأخير بسيطاً ولكنه أساسي للإيمان. فإذا كان الله حقاً ربّاً, الذي يقود ويربّي وينمّي, فإلى أي مدى يبلغ هذا الحب؟ هل يبقى في السماء اسماً مجيداً, أم يأتي ليسكن بين الذين يحبهم؟

المراجع

1 مزمور 136,1 : « احمدوا الرب لأنه صالح لأن إلى الأبد رحمته » — يربط هذا المزمور التسبيح بأعمال الله في تاريخ إسرائيل.

2 يوحنا 1,14 : « والكلمة صار جسداً وسكن بيننا » — يعلن الإيمان المسيحي هنا أن رحمة الله تجسدت في يسوع المسيح.

3 مزمور 41,14 : « مبارك الرب إله إسرائيل من الأزل وإلى الأبد » — تذكّر هذه الصيغة بنبرة التسبيح التي تظهر في افتتاح هذه السورة.

4 إشعيا 49,15 : « هل تنسى المرأة رضيعها…؟ » — يبيّن هذا النص أن الرحمة الإلهية تُصوَّر في الكتاب المقدس أيضاً بصورة أمومية.